أحمد زكي صفوت

141

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

وألزم لرضا العامة ، واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا ، وإنما سمّى أهل عملك رعيتك ، لأنّك راعيهم وقيّمهم ، تأخذ منها ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم ، فاستعمل عليهم في كور عملك ذوى الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل ، والعلم بالسياسة والعفاف ، ووسّع عليهم في الرّزق ، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت وأسند إليك ، ولا يشغلنّك عنه شاغل ، ولا يصرفنك عنه صارف ، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب ، استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة في عملك ، واحترزت النّصحة من رعيتك ، وأعنت على الصلاح ، فدرّت الخيرات ببلدك ، وفشت العمارة بناحيتك ، وظهر الخصب في كورك ، فكثر خراجك ، وتوفرت أموالك ، وقويت بذلك على ارتباط جندك ، وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك ، وكنت محمود السياسة ، مرضىّ العدل في ذلك عند عدوك ، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدّة ، فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا ، تحمد مغبّة أمرك إن شاء اللّه ، واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم ، حتى كأنك مع كل عامل في عمله ، معاين لأمره كله ، وإن أردت أن تأمره بأمر ، فانظر في عواقب ما أردت من ذلك ، فإن رأيت السلامة فيه والعافية ، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصّنع فأمضه ، وإلّا فتوقّف عنه ، وراجع أهل البصر والعلم ، ثم خذ فيه عدته ، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقوّاه « 1 » ذلك وأعجبه ، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره ، فاستعمل الحزم في كل ما أردت ، وباشره بعد عون اللّه بالقوة ، وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك ، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك ، وأكثر مباشرته بنفسك ، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت ، واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه ، فإذا أخرت عمله

--> ( 1 ) في المقدمة : « وقد أتاه على ما يهوى فأغواه ذلك » .